الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
197
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
أو انزال الهوان والحقارة بهم ، لأنه الغرض من ( 1 ) الاستهزاء . فهذا ، أيضا ، من المجاز المرسل ، لعلاقة السببية في التصور والمسببية في الوجود . وفي هذا التوجيه ، تنبيه على أن مذهبهم ، حقيق بأن يسخر منه ويستهزئ به ، لأجله ، أو معاملته سبحانه ، معاملة المستهزأ بمن يستهزئ به . واستعمل لفظ المشبه به ، في المشبه ، فيكون استعارة . وهي ، في الدنيا ، فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالامهال والزيادة في النعمة ، مع تماديهم في الطغيان ، وفي الآخرة ، فبأن يفتح وهم في النار ، باب إلى الجنة ، فيسرعون إليه . فإذا قربوا منه ، سدّ عليهم . أو إرجاع وبال الاستهزاء إليهم ، فيكون كالمستهزئ بهم . فيكون استعارة ، أيضا . أو لازم معناه . وهي اظهار خفة عقل المستهزأ به وقلته . فيكون سبحانه ، مستهزئ بهم ، في عين استهزائهم بالمؤمنين . فان من استهزائهم بهم ، مع ظهور أمرهم يظهر خفة عقولهم وقلتها . وهو استئناف . فإنهم لما بالغوا في استهزاء المؤمنين ، مبالغة تامة ، ظهر بها ، شناعة ما ارتكبوه . وتعاظمه على الأسماع ، على وجه ، يحرك السامع أن يقول : هؤلاء الذين هذا شأنهم ، ما مصير أمرهم وعقبى حالهم ؟ وكيف معاملة اللَّه والمؤمنين إياهم ؟ وفي تصدير الاستئناف بذكر اللَّه ، دلالة ، أولا ، على أن الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ . الذي لا اعتداد معه ، باستهزائهم . وذلك لصدوره ، عمن يضمحل علمهم وقدرتهم ، في جنب علمه وقدرته . وثانيا ، على أنه تعالى ، يكفي مؤنة عباده المؤمنين وينتقم ( 2 ) لهم ، ولا يحوجهم إلى معارضة المنافقين ، تعظيما لشأنهم . وانما قال : « يستهزئ » . ولم يوافق لقولهم ، ليفيد حدوث الاستهزاء
--> 1 - ليس في أ . 2 - أ : ولا ينتقم .